يُفترض أن يقود تحقيق الأهداف إلى الشعور بالرضا والسعادة، لكن الواقع يكشف عن مفارقة لافتة: كثير من البالغين يختبرون إحساساً بالفراغ بعد الوصول إلى ما سعوا إليه لسنوات. هذا الشعور ليس وهماً أو ضعفاً، بل ظاهرة مدروسة في علم النفس، ترتبط بعدة آليات نفسية وعصبية.
التكيّف النفسي: لماذا يتلاشى أثر الإنجاز سريعاً؟
تُفسَّر هذه الحالة جزئياً من خلال ما يُعرف بـالتكيّف النفسي (Hedonic Adaptation)، وهو ميل الإنسان إلى العودة إلى مستوى ثابت من المشاعر بعد الأحداث الإيجابية أو السلبية.
تشير الدراسات في علم النفس الإيجابي إلى أن السعادة الناتجة عن تحقيق هدف معين تكون مؤقتة، إذ يتكيّف الدماغ سريعاً مع الوضع الجديد، ليصبح الإنجاز “الوضع الطبيعي”، ما يدفع الفرد للبحث عن هدف جديد دون الشعور بالرضا المستدام.
فجوة الدافع: عندما تنتهي “مرحلة السعي”
يعتمد الدماغ بشكل كبير على نظام المكافأة المرتبط بمادة الدوبامين، والتي تُفرز بشكل أكبر أثناء السعي نحو الهدف، لا عند تحقيقه فقط.
هذا يعني أن الحماس والدافعية يرتبطان بعملية التقدّم والتوقّع، وعند انتهاء هذه العملية، قد ينخفض النشاط التحفيزي، ما يخلق شعوراً بالفراغ أو التراجع النفسي، يُعرف أحياناً بـ“فراغ ما بعد الإنجاز”.
الأهداف الخارجية مقابل الأهداف الداخلية
وفقاً لنظرية تحديد الذات (Self-Determination Theory) في علم النفس، هناك نوعان من الأهداف:
-أهداف خارجية: مثل المال، المكانة الاجتماعية، أو القبول
-أهداف داخلية: مثل النمو الشخصي، العلاقات، والمعنى
وتُظهر الأبحاث أن تحقيق الأهداف الخارجية لا يؤدي بالضرورة إلى الإشباع النفسي العميق، خاصة إذا لم يكن مترافقاً مع تحقيق حاجات نفسية أساسية مثل: الاستقلالية، الكفاءة، والانتماء.
غياب المعنى الوجودي
من منظور علم النفس الوجودي، لا يكفي تحقيق الأهداف لخلق شعور بالرضا، بل يحتاج الإنسان إلى إحساس بالمعنى.
يشير علماء مثل فيكتور فرانكل إلى أن غياب المعنى قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ“الفراغ الوجودي”، حيث يشعر الفرد بأن حياته تفتقر إلى الغاية، حتى لو كانت مليئة بالإنجازات.
اختلال التوازن النفسي والاجتماعي
التركيز المكثّف على تحقيق الأهداف قد يأتي على حساب جوانب أخرى مثل العلاقات الاجتماعية أو الراحة النفسية. وتشير دراسات إلى أن جودة العلاقات والدعم الاجتماعي تُعد من أقوى العوامل المرتبطة بالرضا عن الحياة، أكثر من الإنجازات الفردية بحد ذاتها.
كيف يمكن فهم هذا الشعور والتعامل معه؟
بدلاً من اعتبار الفراغ علامة سلبية، يمكن النظر إليه كمؤشر نفسي يدعو إلى إعادة التقييم. ومن أبرز الخطوات المدعومة نفسياً:
-إعادة تعريف النجاح ليشمل المعنى، لا الإنجاز فقط
-التركيز على أهداف داخلية مرتبطة بالقيم الشخصية
-الحفاظ على التوازن بين العمل والحياة الشخصية
-تنمية العلاقات الاجتماعية والدعم العاطفي
-ممارسة التأمل أو الوعي الذاتي لفهم الاحتياجات النفسية
الشعور بالفراغ بعد تحقيق الأهداف ليس تناقضاً، بل نتيجة طبيعية لآليات نفسية معروفة. النجاح وحده لا يضمن الرضا، لأن الإنسان لا يبحث فقط عن الإنجاز، بل عن المعنى والانتماء والتوازن.
فهم هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو بناء حياة أكثر عمقاً واستقراراً، تتجاوز فكرة “تحقيق الأهداف” إلى “الشعور بقيمتها”.
كلّ ما لديكم من أسئلة عن الصحّة النفسية، يجب عنها الأطباء الأخصائيين عبر www.sohatidoc.com من خلال استشارة الكترونية تحصلون عليها حين تحجزون موعداً لكم.
مواضيع أخرى عن الأمراض النفسية عبر الروابط التالية:


ما رأيك ؟